الشيخ محمد الصادقي الطهراني

213

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

حيث تغلق على فطرتها وعقليتها دروبهما دون رؤية الحقيقة الكبرى ! . ذلك ومن مخلفات « لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » أنه ذو رحمة واسعة ، وقد « كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » كتابة الفرض والتحقيق إضافة إلى واقعية الكون كله التي هي من واسع رحمته . ولقد كررت كتابة الرحمة بكل حلقاتها في القرآن مرارا ، هنا مرتان أخراهما « كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » ( 54 ) وثالثة مصرّحة بتحقيق كتابة الرحمة : « . . . قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ » ( 7 : 156 ) . وتلك الرحمة الربانية الواسعة كلّ شيء ، المحلّقة عليها ، هي مكتوبة وعدا وتحقيقا للمتقين ، ومن رحمته الشاملة « لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لارَيْبَ فِيهِ » وهو رحمة في حلقات : رحمة لنا في هذه الأدنى أن نروضها بالتقوى ونرفض فيها الطغوى خوفة من الأخرى وطمعا فيها ، ورحمة لنا أخرى أن احتمالة الحياة الحساب تكسر من ثورة الطغيان عن أهله ، وثالثة رحمته في الأخرى ، المكتوبة للذين يتقون ، ورابعة أن زحمة الظالمين يوم الدين هي رحمة للمظلومين . ذلك ، وكما شملت رحمته كلّ شيء ، فقد سبقت رحمته غضبه ، سبقا زمنيا وشموليا وفي المكانة ، ومثلث السبق باهر من الذكر الحكيم في حين لا نجد ولا لحمة لشمولية الغضب ، فإنما هو ل « من أشاء » كما في آية الأعراف وما أشبه . ولقد رويت هذه السابقة السابغة للرحمة الربوبية عن رسول الرحمة صلى الله عليه وآله بألفاظ عدة « 1 »

--> ( 1 ) . الدر المنثور 3 : 6 بسند عن أبي هريرة عن النبي ( ص ) : « لما خلق الله الخلق كتب كتابا بيده على نفسه ان‌رحمتي تغلب غضبي » وفي أخرى « ان رحمتي سبقت غضبي » وفي ثالثة عن ابن عباس قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : إذا فرغ اللَّه من القضاء بين الخلق اخرج كتابا من تحت العرش إن رحمتي سبقت غضبي وأنا ارحم الراحمين فيقبض قبضة أو قبضتين فيخرج من النار خلق كثير لم يعملوا خيرا مكتوب بين أعينهم : عتقاء اللَّه . وفيه اخرج ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن باللَّه عن أبي قتادة عن رسول اللَّه ( ص ) قال : قال اللَّه للملائكة ألا أحدثكم عن عبدين من بني إسرائيل أما أحدهما فيرى بنو إسرائيل انه أفضلهما في الدين والعلم والخلق والآخر انه مسرف على نفسه فذكر عنه صاحبه فقال : لن يغفر اللَّه له فقال : ألم يعلم أني ارحم الراحمين ألم يعلم أن رحمتي سبقت غضبي وأني أوجبت لهذا العذاب فقال رسول اللَّه ( ص ) : فلا تألوا على اللَّه . وفي نور الثقلين 1 : 705 في روضة الكافي في رسالة أبي جعفر عليهما السلام إلى سعد الخير : « فكتب على نفسه الرحمة فسبقت قبل الغضب فتمت صدقا وعدلا فليس يبتدئ العباد بالغضب قبل أن يغضبوه وذلك من علم اليقين وعلم التقوى »